أحمد بن سهل البلخي
485
مصالح الأبدان والأنفس
فلذلك يجب أن يتوقّى المعنيّ بأمر بدنه الإفراط في أخذ الأدوية المسهلة إلّا عند شدّة الحاجة إليها ؛ وذلك أنّ من شأن الأدوية أنّها إن « 1 » واقعت فضلة من / الأخلاط لا يحتاج إليها البدن ، أخرجتها « 2 » ونقّت البدن منها ، وأراحته بذلك ، ووجد خفّة من تلك التنقية ، وإلّا فإنّها ترجع إذا لم تجد فيه فضلا على الرطوبة الغريزيّة ، فتخرجها وتقلّلها حتى تفنيها بإفراط الإسهال ، فيكون في ذلك انحلال القوّة الغريزيّة ، وتولّد الأمراض « 3 » ، ولذلك قال بقراط - الإمام في صناعة الطبّ - : إنّ الأبدان الصحيحة لا خير في علاجها . فأمّا أيّ الأبدان أحوج إلى المداواة ، فالأبدان المستحصفة المكتنزة التي لا يسهل خروج الأبخرة منها لاستحصافها وانسداد مسامّها ، فلا يزال يحتقن فيها الشيء بعد الشيء من الأخلاط اللّزجة حتى تكثر وتمتلئ منها الأوعية ، فتعفن وتؤدّي إلى الأمراض ؛ فلذلك يجب أن يتعهّد ما كان من الأبدان على مثل هذه الهيئة بالتنقية ونفض « 4 » الفضول عنها بالأدوية المسهلة . فأمّا الأبدان التي تكون على خلاف هذه / الصفة - وهي الأبدان المتخلخلة الليّنة اللّحم ، الواسعة المجاري - فإنّ خروج الأبخرة والفضول منها يسهل ولا يحتقن فيها ، فيكون ذلك تنقية بالطبيعة ، وتستغني « 5 » بها عن الحمل عليها بالأدوية المسهلة . وإن اجتمع فيها شيء من الفضول اكتفت من الأدوية بما يكون له أدنى قوّة من الإسهال ، حتى تنقى به ، ولم تحتج إلى أدوية قويّة يكون في طبعها إنحاء على البدن ، ولا تأثير شديد في آلاته . ومن أجل ما ذكرناه يجب أن يخطّأ رأي الذين رأوا الاستكثار من الأدوية ، وإدمان تعاطيها ، وحكموا بأنّ ذلك ممّا يستديم صحّة الأبدان ، ويجتلب إليها
--> ( 1 ) في أ : وإن . والصواب من ب . ( 2 ) في أ ، ب : أخرجته . والصواب ما أثبت . ( 3 ) في ب : ويولّد الأمراض . ( 4 ) في ب : ونقص . والصواب من أ . ( 5 ) في ب : ويستغني .